الثلاثاء، 17 فبراير 2009

وجهة نظر حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي في مسالة الصحراء المغربية

إن الصحراء مغربية تاريخيا وجغرافيا وأنتروبولجيا وثقافيا وبمقتضى قرارات دولية، فصلها الاستعمار عن الوطن الأم، ولم يفعل المغرب سوى استرجاع أجزاء من ترابه الوطني التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار الاسباني، كما أن التغيرات التي طالت النظام العالمي في إطار العولمة لا تسمح إلا بتأهيل الكيانات الكبرى ولا مستقبل فيها للكيانات الصغيرة، وهذا كله يقتضي أن يتم الحل السياسي في إطار السيادة المغربية كمدخل لاستقرار المنطقة المغاربية وتحقيق الاندماج بين كياناتها، كجسر نحو تحقيق التنمية الشاملة والتجاوب مع تطلعات شعوبها للتقدم والازدهار وتوفير سبل العيش الكريم.
وقبل بسط مقترحات الحزب للحل السياسي المأمول للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية والذي يسعى إلى المساس بوحدتنا الترابية، ويضر بمصالح كافة شعوب المنطقة لا بد من الإدلاء بالملاحظات التالية:
1 ـ أن النزاع القائم في الصحراء المغربية ليس فقط أحد مخلفات تصفية الاستعمار الناقصة، بل وأيضا نتيجة لمقاربات اعتمدت في بداية الاستقلال، إذ تم قمع وتفكيك جيش التحرير الذي كان عاقدا العزم على الاستمرار في الكفاح المسلح على الجبهة الجنوبية لطرد الاستعمار الاسباني وتحرير الصحراء المغربية كاملة، وأن هذه الواقعة التي يتحمل مسؤوليتها الكاملة النظام المخزني كان من نتائجها المباشرة سلسلة من المواقف الخاطئة للحكومة المغربية لم تنته بعد آثارها السلبية، ومما عمق من هذا المسار خصوصا بعد سنة 1975 اعتماد نفس المقاربة على منهجية الانفراد بالقرار، وإقصاء آراء واجتهادات القوى الحية بالبلاد، وقد سبق لحزبنا أن عبر عن رأيه منذ أواسط الثمانينات: الاستفتاء غير ذي موضوع، ورفض ما كان الكل يطبل له.
2 ـ إن تدبير شؤون أقاليمنا الصحراوية بالرغم من المجهود المالي والبشري الذي بذله شعبنا، وبسبب اعتماد الهاجس الأمني وغياب حقوق الإنسان، لم ينتج الاندماج والحماس الجماعي لبناء المغرب الديمقراطي، ونمى أحيانا الشعور بالظلم والتهميش لدى فئات واسعة من المواطنين بالصحراء كانت معروفة دائما بوطنيتها ومصداقيتها، كما أن إيقاع دمقرطة الحياة السياسية بالبلاد وعدم الارتقاء في مسلسل الإصلاحات إلى مستوى تبني الإصلاح السياسي الشامل فوت علينا فرصة تحقيق مكاسب وانتصارات على الأطروحة الانفصالية.
3 ـ إن الاستراتيجية التفاوضية –وتدبير قضية أقاليمنا الصحراوية بصفة عامة- التي اعتمدت رسميا منذ الثمانينات لم تكن ناجعة وفعالة دائما، كما أنها لم تلتزم بالإشراك الدائم والمستمر للقوى السياسية في البلاد في صياغتها، ينضاف إلى ذلك أن ضعف الدبلوماسية المغربية والتعامل السلبي مع بعض قضايا التحرر وتصفية الاستعمار مثلما حصل في إقليم شابا بالزايير، ساهما في إضعاف المغرب أحيانا واضطراه إلى تغيير التكتيكات والمواقف لدرجة إرباك وضع حلفاء المغرب في المنتظم الدولي والرأي العام.
4 ـ إن وصول مختلف مقاربات الأمم المتحدة لحل النزاع للباب المسدود، والوضع العالمي الجديد المتسم بهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية التي لها مصالح اقتصادية واستراتيجية قد لا تسمح لنا بالاطمئنان لمواقفها، واستمرار الدولة الجزائرية في معاكسة الحقوق المشروعة للشعب المغربي في وحدته الترابية يضعنا وجها لوجه أمام تعقيدات جدية تحتاج إلى استجماع عناصر القوة وتعبئة الطاقات والبحث الحثيث عن سبل المعالجة في إطار التمسك الدائم بالوحدة الترابية للمغرب وبسيادته على أراضيه.
5 ـ إن من مصلحة المغرب والجزائر خاصة، والبلدان المغاربية عموما الوصول إلى حل سياسي نهائي للنزاع يضمن السيادة المغربية ويمكن سكان الصحراء من التدبير الواسع لشؤونهم ويجنب المنطقة المزيد من التشرذم والتشتت من جهة، ويوفر من جهة ثانية شروط تأهيل المنطقة المغاربية لمجابهة تحديات العولمة، وعدم فسح المجال أمام الدول الكبرى وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية لابتزاز دول المنطقة وعرقلة تطورها.
إنها بعض المعطيات التي ينطلق منها حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي في طرح تصوره للحل السياسي لقضية الصحراء المغربية من خلال هذه المذكرة التي تتضمن عنصرين رئيسيين:
* ـ توفير الشروط الداخلية لإنجاح الحل السياسي.
* ـ مضامين الحل السياسي المرتكز على الحكم الذاتي بالصحراء المغربية.
أولا:
1 ـ إقامة نظام ديمقراطي قائم على مبدأ أن الشعب هو مصدر كل السلطات
إن تعزيز القوة التفاوضية للمغرب في سعيه لإيجاد حل سياسي نهائي لملف الصحراء واستعداده لمواجهة كل الاحتمالات والتحديات، يتطلب تقوية الجبهة الداخلية، وذلك من خلال إصلاح مؤسسي شامل في اتجاه إقامة نظام ديمقراطي قائم على فصل حقيقي للسلط يمكن من انبثاق الحكومة عن الأغلبية البرلمانية وتمكينها من صلاحيات فعلية لتكون قادرة على تنفيذ برنامجها وتوسيع صلاحيات البرلمان في مجال التشريع ومراقبة الحكومة، وضمان استقلال الجهاز القضائي ونزاهته، وتوفير الشروط الفعلية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تعكس الإرادة الشعبية الحقيقية كمدخل لا بد منه لإعادة الثقة للمواطنين بمن فيهم مواطنو الصحراء المغربية في المؤسسات.
كما يتطلب الإسراع بإرساء أسس نظام جهوي جديد ناجع وفعال يعم كل جهات البلاد، بما يقوي الديمقراطية وإمكانيات التنمية، وفي نفس الوقت يقوي وحدة البلاد في إطار من التوازن والتضامن بين مختلف الجهات بما فيها الصحراء المغربية.
وفي هذا الإطار، لابد من وضع استراتيجية لاقتصاد مندمج وبنية تحتية مشتركة تربط بين الأقاليم الصحراوية وباقي جهات البلاد وخاصة منها الجنوب (طريق سيار- سكة حديدية.. إلخ)، مما سيعزز الوحدة الترابية لبلادنا بغض النظر عن مضمون الحل الذي يمكن التوصل إليه.
2 ـ فتح حوار وطني واسع حول الحل المطلوب في الصحراء المغربية:
ـ عن طريق إجراء حوار مع عموم المواطنين المغاربة بمن فيهم المواطنون بالصحراء المغربية الذين يتعين إشراكهم في البحث عن أسس الحل السياسي لقضية الصحراء.
ـ عن طريق اعتماد مقاربة جديدة في التعامل مع المواطنين بالصحراء المغربية أساسها الإنصات إليهم وأخذ مقترحاتهم بعين الاعتبار ومد قنوات التواصل الدائم والحر وخاصة مع الشباب.
3 ـ تجديد عناصر الاستراتيجية المغربية في القضية الوطنية:
وذلك عبر:
ـ إعادة بناء الدبلوماسية المغربية في اتجاه دبلوماسية مهنية ناجعة تضمن إشراك أطر صحراوية بناءًا على معيار الفعالية والكفاءة، وربط علاقات إيجابية مع مختلف البلدان وتعزيز التقارب مع الدول والشعوب الإفريقية.
ـ الدخول في مفاوضات ذات مردودية مع مختلف الأطراف المعنية بالنزاع في الصحراء المغربية، ونهج سياسة تهدف إلى بناء المغرب الكبير وتعزيز الروابط بين شعوبه.
ـ نسج علاقات جديدة في أقاليمنا الصحراوية بين الدولة والمواطنين، توطد روح الثقة والأمل، وتوفر ظروف العيش الكريم بدون تمييز قبلي أو عائلي، وتحمي الحريات، وتكفل مشاركة حقيقية للأجيال الصاعدة في رسم معالم المستقبل، وتهجر الأساليب العتيقة في التدبير.
ثانيا: فيما يتعلق بمضامين الحل السياسي
الإعلان عن استعداد المغرب إرساء نظام حكم جهوي واسع بالأقاليم الصحرواية في إطار نظام سياسي ديمقراطي يضمن وحدة المغرب واندماج كل جهاته، إذا توفرت الشروط الفعلية لحل سياسي نهائي متفاوض عليه بين أطراف النزاع في إطار المجتمع الدولي. كما أن الحل السياسي يندرج في إطار السيادة الوطنية المتفتحة والمنفتحة على بناء المغرب الكبير لصالح شعوب المنطقة.
وفي سيرورة بلورة هذا الحل يمكن للمغرب أن يتقدم بمقترح الحكم الذاتي وفق القواعد التالية:
أ ـ من الأفضل أن تكون جهة الصحراء فضاء منسجما يتضمن كل ألأقاليم الصحراوية بما فيها المسترجعة قبل سنة 1975.
ب ـ يجب أن يكون أساس الحكم الذاتي ترابيا وليس إثنيا أو قبليا بما يعنيه من ضمان حقوق كل المغاربة في التنقل والعمل والاستقرار بكل الجهات بما فيها الصحراء دون حواجز حدودية أو أمنية أو جمركية.
ج ـ لا تستثنى منطقة الحكم الذاتي من المشاركة في جميع أنواع الاستشارات الانتخابية ومن العضوية في المؤسسات الوطنية ومن الاندراج في مخططات التنمية الاقتصادية الوطنية.
د ـ تحتفظ الدولة بالصلاحيات المتعلقة بالسيادة ( الدفاع ـ الأمن ـ القضاء ـ العلاقات الخارجية ـ النظام النقدي)
ر ـ الدولة المغربية مطالبة بضمان الموارد الاقتصادية الكافية لحاجيات المنطقة في إطار تحقيق مبدأ التوازن الاقتصادي بين مختلف جهات البلاد وتفعيل مبدأ التضامن بين الجهات الغنية والجهات الفقيرة على أساس التوزيع العادل للثروات الطبيعية فيما بينها.
ز ـ السماح بتأسيس أحزاب ونقابات جهوية بمنطقة الحكم الذاتي للمساهمة في إرساء حياة ديمقراطية جهوية
ه ـ الحل السياسي المقترح هو حل نهائي يتأسس على تطبيق نظام خاص بالصحراء المغربية تتمتع فيه المنطقة بصلاحيات واختصاصات تشريعية وتنفيذية واسعة تمارسها هيئات الحكم الذاتي (برلمان وجهاز تنفيذي) في إطار الدولة المغربية ودستورها الذي يقر بهذا الوضع وينظم ممارسة الحقوق الديمقراطية والقانونية في إدارة الشؤون الداخلية للحكم الذاتي وفقا للخصائص السوسيو ثقافية والاقتصادية المحلية، وتتمثل هذه الصلاحيات في:
* هيئة تشريعية تتكون من برلمان منتخب انتخابا حرا ونزيها يمثل إرادة السكان، تتمثل صلاحياته في سن القوانين في المجالات المتعلقة بالتدبير المحلي مع مراعاة أن لا تتناقض مع الدستور المغربي وقوانين البلاد.
*هيئة تنفيذية: يرأسها رئيس مجلس الحكم الذاتي الذي ينبثق من الأغلبية البرلمانية وتقوم هذه الهيئة بتدبير الشأن المحلي اقتصاديا واجتماعيا وتعليميا وثقافيا، وتكون مسؤولة أمام الهيئة التشريعية وأمام الدولة المغربية بمقتضى القانون والدستور.
* تمارس إدارة الحكم الذاتي سلطاتها في مجال الأمن الداخلي للحكم الذاتي، في إطار الأمن العام كمهمة سيادية من اختصاص الدولة المغربية، وفي إطار قوانين الحكم الذاتي والدستور والقوانين العامة للدولة.
ولضمان توسيع إطار التشاور والحوار مع أكبر عدد ممكن من الفعاليات والطاقات الموجودة بالمنطقة، يمكن خلال مرحلة انتقالية محددة، خلق هيئات استشارية، على ألا تمس بالصفة التقريرية للمؤسسات المنتخبة.
بناء على ما سبق، فإن حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي يعتقد أن صيغة حكم محلي ذي صلاحيات ذاتية واسعة والمشار إلى بعض معالمها أعلاه، قد تحظى بقبول المنتظم الدولي لوضع حد لنزاع مفتعل، ومع ذلك فإنه يقترح استبدال تسمية "الحكم الذاتي" ب "الحكم الجهوي"، حتى لا يترك أي لبس أو غموض حول مغربية الصحراء ووحدة بلادنا الترابية في المجتمع الدولي أو لدى الأطراف المعنية بقضية الصحراء أو التي تدعي أنها كذلك.
إن قضية الصحراء هي قضية الشعب المغربي بأكمله، وإنه لواثق ومؤمن بعدالتها، لذا فإنه قادر على الذود عنها ومواجهة كافة التحديات أيا كان مصدرها خاصة إذا تحققت له، سواء في الأقاليم الجنوبية أو الشمالية، شروط الحياة الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والعدالة والعيش الكريم.
عن الرفيق ك م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق